السقوط في هوّة التخصصات الجامعية

نخطيء كثيراً في اتخاذ قرارات صحيحة ويبدو تأثيرها على كل مايأتي بعدها. تبدو كمنعطف إما يلقي بنا على ضفة نهر نجري معه بانسياب بقية حياتنا أو يقذفنا في لجة بحر هائج نخوض في لجج أمواجه ونسقط في القاع، لنبدأ حينها محاولات إنقاذ حياتنا.
لاشك أن إحدى أهم قرارات الحياة هو قرار اختيار التخصص الجامعي حيث أراه من أهم القررات المفصلية المبكرة التي تؤثر على حياة الشخص وتشكّل مستقبله.
ليس لدي إحصائيات عن خطأ الكثير في اختيار التخصص الجامعي ودراستهم في تخصص لارغبة لهم به، ولكن الواقع يعكس أن نسبة كبيرة جداً لم يحالفهم الحظ في دراسة مايميلون إليه ومايحبونه، بالإضافة إلى أن نسبة كبيرة من الموظفين يعملون بعد التخرج في مجالات خارج نطاق تخصصهم.
أدرك تماماً أن أي قرار نتخذه يكون له تأثيراً على جوانب كبيرة من حياتنا، وأن أي تغيير ولو بسيط يُحدث تباعاً معه تغييراً على كامل مجرى حياتنا، وبالتالي على كل المحطات التي نتوقف عندها والطرق التي نسلكها في المستقبل. 
هكذا هي كل قرارتنا الحياتية.. تبدو متشابكة ومتصلة ببعضها ومؤثرة على بعضها البعض، هي سلسلة وحلقات أكثر تعقيداً مما نتصور، فكل شيء يؤثر على كل شيء ويتأثر بكل شيء. 
وحين نسلط الضوء على قرار اختيار التخصص؛ حتماً سننتبه لهذه السلسة المعقدة التي هي جزء بسيط من سلسلة أكثر تعقيداً من جوانب حياتنا الأخرى، سنجد أن هذا القرار شكّل حياتنا وأثر على الجوانب الأخرى حيث نكن ندرك حينها أهميته وقوة تأثيره على مستقبلنا. الأصدقاء الذين كنا بينهم، والكتب التي قرأنها، والأبحاث التي كتبناها، والمهن التي جربناها في حدود هذا التخصص، وشبكة العلاقات والأفكار والمعارف والفرص وكل مامررنا به خلال وبعد تلك الفترة بالتأكيد طبع بصمته وترك أثره علينا سواء وعينا ذلك أم لم نعي.

يؤسفني أنه في عالمنا العربي لايوجد اهتمام بهذا القرار! وأهمية التخطيط للمستقبل انطلاقاً من هذا المنعطف الحرج. لن أضع كل الحمل على صاحب القرار نفسه (الطالب) لأنه مازال في هذه المرحلة لايعرف الكثير عن نفسه ولاحتى عن طبيعة العلوم والمعارف التي سيتلقاها لاحقاً. وهذا لأنه لم يجرب ولم يحظى بممارسة مهارات وأعمال تساعده في فهم ذاته ورغباته، وتوافقه مع المجالات المتنوعة، فضلاً عن أن التعليم الجامعي يختلف كلياً عن التعليم العام ونمط المقررات فيه، فبالتالي يختار تخصصه بناء على طلب السوق، أو رغبة والديه، أو من النصائح المعلبة من أقربائه والاخرين، أو التخصصات التي تحظى باحترام المجتمع كمعتقد مزيف سائد. بالنهاية؛ في كل هذه الحالات سيكون هو ضحية هذا القرار الذي لم يُتخذ بوعي. 

لاشك أن الدور الأول يقع على الأسرة في (مرحلة مبكرة) واهتمامها في فتح الطرق المتنوعة والافاق الواسعة لابنائها منذ الطفولة ليمارسوا العديد من التجارب ويكتشفوا شغفهم على مدى ١٢ سنة قبل اتخاذ قرار التخصص. فيجربوا ويفشلوا ويجربوا مرات أخرى حتى يتجلى لهم بوضوح نسبي ماالذي يحبونه ويستمتعون به وماالذي ليس في نطاق اهتمامهم.
أما المدارس -وليس تقليلاً من شأن المدارس- ولكن الواقع يظهر الحقيقة في عالمنا العربي خاصة في المدارس الحكومية. المدارس لاتُلقي بالاً باحتضان هواية أو مهارة فضلاً عن فتح المجال لممارسة أنشطة لاصفية وتنفيذ برامج مهنية لاكتشاف الذات والميول الشخصية.

إذاً ماالحل؟ 
ماالحل إذا وصل الطالب لهذه المرحلة وهو لم يكتشف ذاته وميوله الشخصية التي تحدد التخصص الأنسب له؟

في الدول الأخرى يوجد العديد من برامج الإرشاد المهني المعتمدة والتابعة لجامعات ومؤسسات وشركات ومنظمات ربحية وغير ربحية هدفها كشف الغشاوة عن الطالب وإبراز نقاط قوته وتمكينه في “صياغة” مايحب ومايريد أن يكون عليه، فيعرف ذاته بشكل مقبول قبل أن يلقي بنفسه بالبحر.. العلم بحر، نعم! العلم بحر وقد يغرق فيه كثير، ليس نهماً بالمعرفة كما يقال وإنما فقداناً للبوصلة والاتجاه. وهذه مشكلة أن يتخبط الطالب في سعة الخيارات التي لن تفيده إن لم تتوافق مع ميوله ونمطه ونقاط قوته، بل ربما تضره وينعكس هذا على مستقبله ونفسيته وشعوره لسنوات طويلة بعدم الرضا والإحباط وعدم تحقيق الذات والشعور بالفشل ومقارنة نفسه بالاخرين.
المشكلة حينئذ لاتدل على ضعف في ذات الشخص، وإنما بسبب أنه بالمكان الخطأ، بالتخصص الخطأ، مع الأشخاص الخطأ.. وبالتالي لن يشعر بالنجاح والإنجاز لأنه لم يستثمر في بناء وتعزيز نقاط قوته ولم يتواجد بالبيئة الداعمة لاهتماماته. فالمرحلة الجامعية قد تكون إما بمثابة بناء واحتضان أو هدم وانحراف عن خط السير.
فالحل إذاً أن تتعاون الجهات الاستشارية والأكاديمية في تقديم مثل هذه البرامج، أو على الأقل أن تتكاتف الجهود الفردية من المتخصصين في الإرشاد المهني للمبادرة بالتوعية بأهمية التوجيه للطلبة استثماراً بقدراتهم وأوقاتهم واستثماراً بالعائد منهم على المجتمع والبلد.

بالنسبة لي أنا أحد المخطئين في قرار اختيار التخصص. ولكن لست نادمة على شيء. فكل ماحدث حدث بطريقة مثالية لها فوائدها الأخرى الجمّة بسبب هذا الانحراف حيث استطعت -ولو بصعوبة- أن أحيل كثير من العقبات إلى فرص. فعند تخرجي من الثانوية كنت أعرف نفسي تماماً وأعرف ماذا أحب بوضوح وأعرف ماالذي أنوي تجنبه ولكن على ذلك كله وقعت في الفخ.. وقعت في هوّة أسقطتني وأودت بي بعيداً عن اهتماماتي الحقيقية حتى شعرت مع الوقت أني أفقد نفسي شيئاً فشيئاً. بدا الشعور بالإحباط وعدم الرضا، عدم الشعور بلذة الإنجاز رغم الإنجاز! جهد كبير في العمل على تحسين نقاط الضعف بدلاً من الاستثمار بنقاط القوة الموجودة أصلا هبةً فيّ. كانت رحلة شائكة متعبة ومنهكة، لم أشعر يوماً بفخر إنجازتي التي حققتها لأنها لم تشبع ميولي ولم أشعر بالرضا منها رغم إشادة الاخرين بها. والحديث عن هذه المرحلة طويل جداً ليس هذا مكانه.

في النهاية، اختيار التخصص قرار مفصلي وهام وينطوي عليه الكثير من القرارات الأخرى، والأولى أن تُفتح كل الأبواب التي تمكن الطلبة من التعرف على ذواتهم وميولهم الشخصية أولاً للوصول إلى احتمالهم الأفضل.
وبدءً من نفسي؛ حصلت على الاعتماد في الإرشاد المهني من منظمة أمريكية لمحاولة مساعدة الأشخاص على أساس موثوق وبدأت حقاً في زيادة الوعي بهذا الجانب كشعور يدفعني بالمسؤولية لتسهيل حياة الاخرين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: