هل جربت أن تستسلم؟

منذ نشأتنا ونحن نسمع كثيراً عن النجاح وأن الطريق إلى النجاح يعني ألا نستسلم حتى لانفشل! سمعنا كثيراً عن المبالغة في الإصرار وفرضية أن يتولى الشخص كل زمام أموره وأن يتحدى كل مايكون عائقاً في طريقه. تعلمنا أن المواجهة هي السبيل الصحيح لتحقيق معنى الفوز والانتصار.. وأكثر من ذلك أن ثقافة المجتمع ونظرته اتفقت على أن الذي يقاتل من أجل أحلامه ويصارع لتحقيق أهدافه هو الذي يستحق أن يقال عنه الشخص الناجح والعصامي..

كثير هم الأشخاص الذين يعرضون قصصهم من هذه الزاوية التي تُظهر عنصر القوة والتحدي للأحداث والمصاعب، الزاوية التي تُرينا أنه من شروط النجاح ينبغي أن تقاتل، ومن أجل أن تحقق أهدافك ليس عليك أن تستسلم، وحتى تحصل على السعادة لابد أن تتعب وتشقى، ولكي تعيش الحياة يجب أن تتحدى الحياة! ولاشك أن هؤلاء مؤمنون بهذا النمط الذي اختاروه والطريقة التي يمارسون فيها نمط حياتهم، ورغم أنهم قد يحققون أهدافهم بالنهاية إلا أن الكثير من الاحتمالات الأفضل قد تفوت عليهم لهذا السبب.. وهكذا كانت نظرتي في السابق ومثلها كانت النتيجة..

الآن لاأفهم الحياة أبداً على أنها تحدّي! لاأراها من هذا المنظور الصعب والمعقّد إطلاقاً.. فالطريق المعقد يخبرنا أن نلتفت يمنة أو يسرة لنجد منعطفاً لطريق أيسر لا أن نستمر فيه، والأمر الصعب قد تكون رسالته أن نتخلى عنه ببساطة، والهدف الذي يجلب الإرهاق والقلق يقول أن نتجاوزه إلى غيره.. كل هذه الأمور تحدث لكل منا وتأتي لتحمل رسائل ذهبية علينا أن نعيها وإلا بقينا في نفس الطريق وذات الحلقة.. مثلاً هل لدينا الشجاعة والقوة أن نستسلم في ترك تخصص لم نعد نرغبه؟ أن نتخلى عن وظيفة مملة؟ ألا نتشبّث بفكرة مشروع نعتقد أنه لايوجد سواه في هذه الحياة الوافرة؟ هل لدينا الشجاعة أن نترك شخصاً تبدو معه العلاقة معقدة وصعبة؟.. بالغالب نحن نغلق الباب أمام فرص أخرى دون وعي منا بينما نكون منشغلين بغيرها محاولة في إصلاح مالا ينصلح..

كل هذه الأشياء التي لاتصلح لنا بالتأكيد هي ليست لنا! لوفهمنا هذه الرسائل في حياتنا لأدركنا أنها جاءت لهدف غير الذي نحن نعتقده، فربما هي حلقة ضمن سلسلة طويلة من الحلقات التي لابد أن تكتمل حتى نصل من خلالها إلى مانحبه، ربما جاءت لندرك فيها خيارات أخرى، ونكتشف أفقا أوسع، ونرى طرقاً جديدة، ربما جاءت لنعبر من خلالها إلى فرص أفضل، وننتقل عبرها إلى وضع مختلف لا أن نبقى فيها.. ربما جاءت ببساطة لتحررنا من تشبثنا وتعلقنا بما ليس لنا.. جاءت لتقوينا وتصقل مهاراتنا وتزيدنا حكمة وصبراً ورؤية واضحة لما نريد، وحين ندرك هذه الرسائل حتماً سنكون حققنا النجاح الحقيقي وانتقلنا لاحتمالنا الأفضل والأنسب والأكثر متعة لنا.

لاشك حينما نمسك بزمام الأمور كلها نكون قد بالغنا بمسؤوليتنا مقابل معنى التوكل والتسليم.. التسليم لايجتمع معه تحدٍّ وقتال، والتوكل لايكون بالقسوة على ذواتنا وتحمل المشاق والمصاعب.. وبالوقت ذاته التسليم لايعني الاستسلام للأمر، والضعف في التنحّي عنه، التسليم هو أن نبذل الجهد المعقول بمتعة وحب ونتخذ خطوة للأمام مع أن نترك القيادة كاملة لتلك اليد الخفيّة في أن تتولى كلّ شيء.. أن تقدم أو تؤخر، أن تجلب أو تصرف.. ومهما كانت النتيجة سنتقبلها كما هي برضا ويقين على أنها هي الأمثل في هذا الوقت.

يد الله الخفيّة لاتخطيء أبداً.. تحيك أجمل الأقدار لاختياراتنا.. وتمهد أيسر السبل لبلوغها.. وتهيء الأسباب المدهشة لتحقيقها.. اليد الخفية هي التي لابد أن نستسلم لها حين نردد: “…ولاتكلني إلى نفسي طرفة عين”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: